4 أغسطس 2026 الموافق 20 صَفَر 1448

10 يوليو 2026 الموافق 25 مُحَرَّم 1448

من الاستيلاب إلى استيلاب الاستيلاب: النظرية النفسية والمسؤولية الأخلاقية




من الاستيلاب إلى استيلاب الاستيلاب: النظرية النفسية والمسؤولية الأخلاقية
زهراء العفي
 
ورد مفهوم الاستيلاب، وكذلك مفهوم استيلاب الاستيلاب، في أعمال الدكتور مصطفى حجازي، ولا سيما في كتابه الإنسان المهدور. ويشير الاستيلاب، في علم النفس الاجتماعي والفلسفة النقدية، إلى الحالة التي يُنتزع فيها من الإنسان وعيه بذاته أو قدرته على التحكم في مصيره، فيغدو أداة في يد قوى خارجية—اقتصادية أو سياسية أو ثقافية—مع إدراكه، في الحدّ الأدنى، لوجود خلل أو ظلم يحيط به.
 
أما استيلاب الاستيلاب، كما يطرحه حجازي، فهو مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا؛ إذ لا يقتصر الأمر على فقدان الحرية أو الوعي بالذات، بل يتعدّاه إلى سلب الوعي بوجود هذا الفقد أصلًا. في هذه الحالة، يتبنّى الفرد القيم والمعتقدات التي تكرّس اغترابه، ويرى وضعه أمرًا طبيعيًا أو حتى مثاليًا، فلا تنشأ لديه الدافعية للسعي نحو التغيير.
 
هنا يثور سؤال أخلاقي دقيق: ما مسؤوليتنا تجاه شخص يَعدّ وضعه القائم صحيحًا، ويعيش فيه برضا واطمئنان؟
 
في الممارسة العلاجية، لا يُسمح للمعالج بإعطاء النصائح التي تتخذ شكل أوامر أو إملاءات، لأن ذلك يتعارض مع طبيعة العملية العلاجية التي تقوم على تمكين الفرد من اتخاذ قراراته بنفسه. لكن أستاذي شدّد على أن هذا المبدأ يمتد إلى الحياة عمومًا: لا تُعطى النصيحة إلا لمن طلبها. والسبب في ذلك مزدوج:
أولًا، لأن النصح الفعّال يتطلب معرفة دقيقة بالسياق وتأهيلًا كافيًا في المجال الذي نتحدث فيه، وإلا تحوّلت النصيحة إلى كلام عابر لا أثر له.
ثانيًا، لأن النصيحة غير المطلوبة قد تدفع المستمع إلى موقف دفاعي، فيتشبث بموقفه أكثر، بل وقد يعتبر تدخّلنا تعدّيًا على حريته الفكرية والشخصية.
 
لكن، حين ننتقل من مستوى الفرد إلى المجتمع، تصبح المسألة أكثر تعقيدًا. فالمجتمع، بخلاف الفرد، ليس كيانًا يختار أن “يأتي للعلاج” أو يطلب المساعدة؛ بل هو منظومة متشابكة من العادات والمعتقدات والبنى التي تتوارث الاستيلاب وتعيد إنتاجه، أحيانًا تحت شعارات براقة. الانتظار هنا قد يعني تفاقم الظاهرة، وتصلّب جذورها مع مرور الوقت.
 
وهنا تبرز أسئلة جوهرية: من نحن حتى نقرر ما هو السوي وغير السوي؟ وما المرجعية الفكرية أو الأخلاقية التي نعتمدها؟ فالمنظور العلاجي يتجنب إطلاق أحكام أخلاقية مطلقة من نوع “صح” و”خطأ”، ويفضّل استخدام معايير “الصحة” و”السوية” من منظور علمي-نفسي. لكن حتى هذه المعايير ليست معزولة عن الإطار الثقافي والقيمي الذي نتحرك فيه.
 
إن مهمة رفع البصيرة الجمعية، إذن، ليست فرضًا من الخارج ولا هجومًا على المعتقدات، بل هي عملية مزدوجة تبدأ بمساءلة الذات، وتنطلق نحو تهيئة بيئة آمنة للنقاش والحوار، مع وعيٍ تام بأن التغيير عملية شاقة، تتطلب جهدًا متواصلًا، وصبرًا طويلًا، واستعدادًا لتحمل الصدامات الفكرية.
 
غير أن واقعنا العربي يطرح تحديات إضافية: أعباء اقتصادية طاحنة، أنظمة سياسية مغلقة، وإرث طويل من الصراعات والانقسامات. هذه العوامل تجعل مسار التغيير أبطأ وأكثر تعقيدًا، لكنها في الوقت نفسه تزيد من إلحاحه. فالشعوب المنهكة قد لا تكون “جاهزة” نفسيًا لخوض رحلة الوعي والتحرر، لكن التاريخ يثبت أن الجاهزية الكاملة لا تأتي قبل الفعل، بل تُبنى خلاله.
 

 

كل المقالات