2 نوفمبر 2026 الموافق 22 جَمَاد الأوَّل 1448
الرئيسية
أخبار
أنظمة ولوائح
دراسات وأبحاث
تكنولوجيا
فعاليات
مقابلات
2 نوفمبر 2026 الموافق 22 جَمَاد الأوَّل 1448
المحرر
أسرة تحرير الموجز المصرفي
ما وراء غضب الشارع الأوروبي: الجذور الاقتصادية للاضطرابات الراهنة في القارة العجوز
تشهد مدن رئيسية في أنحاء القارة الأوروبية — من باريس وليون إلى ميلانو ولشبونة ومدريد وفيينا — موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات الشعبية والإضرابات النقابية الواسعة. ورغم تباين الشعارات المحلية من دولة إلى أخرى، إلا أن المحرك الأساسي لهذا الحراك الاجتماعي يرتكز على بنية اقتصادية مأزومة تتقاطع فيها ضغوط التضخم التراكمي، وتآكل القدرة الشرائية، وانفجار أزمة السكن، وتراجع كفاءة الخدمات العامة تحت وطأة الديون السيادية والتقشف المالي.
1. التضخم التراكمي وتآكل الأجور الحقيقية
على الرغم من المحاولات النقدية لكبح جماح الأسعار، عاود التضخم في الاتحاد الأوروبي التسارع ليصل إلى 3.8%، مدفوعاً بضعف سلاسل الإمداد وتقلبات أسواق السلع. غير أن الرقم السنوي يخفي وراءه الصدمة التراكمية التي استنزفت مدخرات الأسر على مدار خمس سنوات؛ إذ تشير بيانات "يوروستات" إلى أن أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية في الاتحاد الأوروبي قد قفزت بنحو 34% خلال السنوات الخمس الماضية. هذا الارتفاع الهيكلي في أسعار السلع الأساسية لم تواكبه زيادات مماثلة في الأجور الاسمية، مما أدى إلى تراجع فعلي في مستوى المعيشة واضطرار النقابات العمالية في دول مثل فرنسا وإيطاليا إلى إعلان إضرابات شاملة للمطالبة بتعديل سلم الرواتب.
2. صدمة الطاقة المتجددة وهشاشة الإمدادات
تواجه القارة الأوروبية شتاءً معقداً على صعيد أمن الطاقة؛ فقد سجلت أسعار الطاقة في منطقة اليورو ارتفاعاً سنوياً بنسبة 18.9%. ويعود هذا الضغط إلى تضافر عدة عوامل، أبرزها الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط التي أثرت على تدفقات الغاز، واشتداد المنافسة مع الأسواق الآسيوية على شحنات الغاز الطبيعي المسال (
LNG
)، إلى جانب تراجع إنتاج الطاقة الكهرومائية بسبب موجات الجفاف. هذا الواقع رفع فواتير التدفئة والكهرباء للمنازل، وأثقل كاهل القطاع الصناعي الأوروبي بتكاليف تشغيلية أفقدته جزءاً كبيراً من تنافسيته أمام الولايات المتحدة والصين.
3. أزمة الإسكان وانسداد أفق الشباب
يمثل قطاع العقارات أحد أخطر بؤر التوتر الاجتماعي في أوروبا، لا سيما بين فئة الشباب (جيل زد) وطلاب الجامعات الذين يتصدرون المشهد الاحتجاجي. فقد أدت المضاربات العقارية، ونقص المعروض السكني، وارتفاع تكاليف التمويل العقاري إلى جعل امتلاك مسكن أو حتى استئجاره عبئاً يفوق قدرة الطبقة المتوسطة. وتبرز البرتغال وإسبانيا في مقدمة الدول المتأثرة؛ حيث سجلت البرتغال قفزة سنوية في أسعار المنازل بلغت 16.5%، مما فجر تظاهرات حاشدة ضد سياسات الإسكان وتهميش السكان المحليين لصالح الاستثمارات العقارية والسياحية.
4. المأزق المالي للدولة: الديون السيادية مقابل دولة الرفاه
تجد الحكومات الأوروبية نفسها مقيدة اليدين أمام مطالب الشارع بسبب تضخم العجز المالي والديون السيادية. ففي فرنسا، وصل الدين العام إلى نحو 119% من الناتج المحلي الإجمالي، مع عجز في الميزانية يدور حول 5% في كل من فرنسا وبلجيكا، مما دفع وكالات التصنيف الائتماني مثل "فيتش" إلى خفض نظرتها المستقبلية للاقتصاد الفرنسي.
وأمام ارتفاع تكلفة خدمة هذا الدين في ظل أسعار الفائدة المرتفعة، لجأت الحكومات إلى سياسات تقشفية طالت ركائز "دولة الرفاه الأوروبية"، وهو ما تجلى في:
قطاع التعليم والجامعات: نقص المعلمين، وتدهور البنية التحتية للمدارس والجامعات، ورفع الرسوم الدراسية، مما أشعل شرارة الاحتجاجات الطلابية الواسعة في فرنسا والنمسا وألبانيا.
القطاع الصحي والخدمات البلدية: تقليص التمويل الموجه للمستشفيات العامة ومرافق الطوارئ، مما دفع الكوادر الطبية ورجال الإطفاء للانضمام إلى صفوف المحتجين.
الجدل حول أولويات الإنفاق: تنامي السخط الشعبي — خصوصاً في إيطاليا وفرنسا — إزاء زيادة الميزانيات العسكرية والدفاعية على حساب المخصصات الاجتماعية والتعليمية والصحية، بالتوازي مع ضغوط حكومية لرفع سن التقاعد لمعالجة عجز صناديق الضمان الاجتماعي.
5. الفاتورة الاقتصادية للتغير المناخي
لم تعد الظواهر المناخية المتطرفة مجرد قضية بيئية، بل تحولت إلى عامل ضغط اقتصادي مباشر في أوروبا. فموجات الحر القياسية وحرائق الغابات الواسعة التي ضربت جنوب وغرب القارة (مثل إقليم جيروند في فرنسا ومناطق واسعة في إسبانيا وإيطاليا) ألحقت خسائر فادحة بقطاعي السياحة والزراعة. وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن تراجع إنتاجية العمل جراء الإجهاد الحراري وانخفاض المحاصيل الزراعية بنسبة تتراوح بين 3% و7% قد كبحا النمو المتوقع للناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي، وأسهما في إبقاء أسعار الغذاء والتأمين عند مستويات مرتفعة.
مقارنة لأبرز المحركات الاقتصادية للاحتجاجات حسب الدول
الدولة
البؤرة الاقتصادية الأساسية للاحتجاجات
المؤشرات والضغوط المالية الراهنة
فرنسا
تدهور تمويل التعليم العام، تآكل الأجور، ومقترحات إصلاح التقاعد
.
دين عام يناهز 119% من الناتج المحلي، عجز ميزانية عند 5%، وانكماش في نشاط القطاع الخاص
.
إيطاليا
غلاء المعيشة، ارتفاع فواتير الطاقة، والاعتراض على أولويات ميزانية الدولة وزيادة الإنفاق العسكري
.
إضرابات وطنية شاملة تقودها النقابات للمطالبة برفع الأجور وتخفيض تكاليف الطاقة والسكن
.
البرتغال وإسبانيا
انفجار أسعار العقارات والإيجارات، المضاربة العقارية، وتداعيات الحرائق والجفاف على الزراعة
.
ارتفاع سنوي لأسعار المساكن في البرتغال بنسبة 16.5%، وخسائر زراعية وسياحية جراء موجات الحر
.
النمسا
تقليص ميزانيات التعليم العالي والبحث العلمي وارتفاع تكاليف المعيشة للطلاب
.
تظاهرات طلابية حاشدة في فيينا تطالب بزيادة التمويل الحكومي للجامعات لمواجهة التضخم
.
تقف أوروبا اليوم أمام معادلة اقتصادية شديدة التعقيد: فالحكومات مطالبة بضبط العجز المالي وكبح التضخم للحفاظ على استقرار منطقة اليورو، بينما يطالب الشارع بزيادة الإنفاق الاجتماعي ودعم الأجور والخدمات العامة لتعويض سنوات من استنزاف القدرة الشرائية. وما لم تنجح السياسات الأوروبية في تحقيق نمو اقتصادي حقيقي يعيد التوازن بين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية، فإن هذه الاضطرابات مرشحة لإعادة تشكيل الخارطة السياسية والاقتصادية للقارة على المدى المتوسط.
أسرة الموجز المصرفي - 1 نوفمبر 2026
Tweet
أحدث المقالات
رأي
أسرة تحرير الموجز المصرفي
ما وراء غضب الشارع الأوروبي: الجذور الاقتصادية للاضطرابات الراهنة في القارة العجوز
كل المقالات